عبد الرحمن بدوي

329

أرسطو عند العرب

بسم اللّه الرحمن الرحيم ربّ أعن ( الفصل الأول ) إن الموجود يقال على أنحاء شتى [ الموجود ] . إلّا أنّا إذا قصدنا لطلب مبادئ الشئ الموجود فإنما نقصد لطلب مبادئ الجوهر فقط ، لأن الجوهر أول وأحق الموجودات بهذا المعنى . وذلك أن الكل متحد كاتحاد الأعضاء في البدن ، بدن الإنسان ، والأجزاء في بدن النبات ، أكان « 1 » تركيبه من أشياء يماسّ بعضها بعضا كتركيب البيت والسفينة ، أو كان تأليفه من أشياء متفرقة كتأليف العسكر والمدنية . فأول أجزائه جميعا هو الجوهر ، وموضعه من الكل موضع القلب من جملة بدن الحيوان . فإن لم يكن نظامه على نحو من هذه الأنحاء ، ولكن كما يوجد في العدد : الواحد أولا ، ثم الاثنان ، ثم الثلاثة ، أو كما يوجد في الأشكال المستقيمة الخطوط : المثلث أولا ثم بعده المربّع ، فإن الجوهر على هذا المثال يوجد أولا ، ثم بعده الحال « 2 » ، والمقدار ، وسائر ما أشبه ذلك من مثل أن وجود الجوهر متقدم لوجود جميع ما يتلوه ، كما يتقدم الواحد سائر الأعداد ، ويتقدم المثلث سائر الأشكال . وذلك أنه ليس تنعت جميع الأشياء بالوجود على مثل واحد ، لكن أولاها بذلك الجوهر . وأما سائر الأشياء ، فإنما تنعت بالوجود لوجدانها في الجوهر إذا كانت : إما مقادير له أو حالات ، وإما حركات ، وإما غير ذلك مما أشبهه . وحظها من الموجود إنما هو بإضافتها إلى الجوهر . ونحن وإن كنا ننعت سائر الأجناس بالألفاظ التي تدل على الوجود ، فليس ذلك بعجب ؛ إذ كنا إنما نوقع تلك الألفاظ على الجواهر ؛ ومثال ذلك أنّا نقول : هذه الخشبة هي بيضاء . فقولنا « هي » ، من الألفاظ التي تدل على الوجود . ولسنا نوقع هذه اللفظة على البياض من الخشب ، لكن على الخشبة بعينها . أو على هذا المثال : قد نوقع أشباه هذه من الألفاظ على ما تنفيه من الأعراض ، فضلا عما نثبته . وذلك أنّا نوقعها على ما ليس هو بأبيض مثلا ، فنقول : هذا ليس هو بأبيض ، وعلى ما ليس هو بمستقيم .

--> ( 1 ) بمعنى : سواء أكان . ( 2 ) الحال - الكيف .